علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

47

ثمرات الأوراق

عبد الرحمن الناصر لدين اللّه ، واستوزره - نقل عنه من حذقه أنه أتى إليه بدويّ على حمار وهو يصيح على باب داره : أدركوني وكلّموا الوزير بخبري ! فلمّا دخل عليه قال : ما بالك ؟ قال : ورم بإحليلي منعني النوم منذ أيام ، وأنا في الموت : فقال له : اكشف عنه ، فإذا هو وارم ، فقال لرجل جاء معه : احضر لي حجرا أملس ، فطلبه فوجده ، فقال له : ضع عليه الإحليل . فلمّا تمكن إحليل الرجل على الحجر جمع الوزير يده ، وضرب الإحليل ضربة غشي على الرجل منها ، ثم اندلع الصديد يجري . فلمّا انقطع جريان الصديد ، فتح الرجل عينه ، ثم بال في إثر ذلك ، فقال له : اذهب فقد برئت علّتك ، وأنت رجل جاهل عابث ، واقعت بهيمة في دبرها ، فصادفت شعيرة من علفها لحجت في عين الإحليل فورم لها ، وقد خرجت في الصديد . فقال له الرجل : قد فعلت ذلك وهذا يدلّ على الحذق المفرط . ومثله أن ابن جميع الإسرائيليّ كان من الأطبّاء المشهورين والعلماء المذكورين خدم سلطان مصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وحظي في أيامه ، وكان رفيع المنزلة ، نافذ الأمر . ومما نقل عنه من حذقه أنّه كان جالسا في دكّانه ، وقد مّرت عليه جنازة ، فلمّا نظر إليها صاح : يا أهل الميّت ، إنّ صاحبكم لم يمت ولا يحلّ أن تدفنوه حيّا . فقال بعضهم لبعض : هذا الذي يقوله لا يضرّنا ، ويتعيّن أن نمتحنه ؛ فإن كان حيّا فهو المراد ، وإن لم يكن حيّا فما يتغيّر علينا شيء . فاستدعوه إليهم ، وقالوا : بيّن لنا ما قلت ، فأمرهم بالعود إلى البيت ، وأن ينزعوا أكفانه . فلمّا فرغوا من ذلك ، أدخله الحمّام ، وسكب عليه الماء الحارّ ، وأحمى بدنه ، ونطله « 1 » فظهر فيه أدنى حسّ ، وتحرّك حركة خفيفة ، فقال : أبشروا بعافيته ، ثمّ تمّم علاجه إلى أن أفاق ، وصاح ، فكان ذلك مبدأ اشتهاره بشدّة الحذق والعلم . ثم إنّه سئل بعد ذلك : ومن أين علمت أنّ في ذلك الميّت بقيّة روح وهو في الأكفان محمول ؟ فقال : نظرت إلى قدميه فوجدتها قائمتين ، وأقدام الموتى منبسطة . فحدست أنّه حيّ ، وكان حدسي « 2 » صائبا . * * * نادرة لطيفة قيل : إنّ المنصور بن أبي عامر الأندلسيّ كان إذا قصد غزاة عقد لواءه بجامع

--> ( 1 ) يقال : نطل رأس العليل ، أي جعل الماء المطبوخ بالأدوية في كوز ثم صبّه على رأسه قليلا قليلا . ( 2 ) الحدس : التخمين والظن .